الشيخ محمد رشيد رضا

492

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الدين متوكلا عليه وحده ، يسخر لك ما شاء أو من شاء من خلقه ، أو يشفك من مرضك بمحض فضله ، كما ضرب لك الأمثال في هذه السورة وغيرها من كتابه وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ يهبه بتسخير أسبابه لك ، وبغير سبب ولا سعي منك ، فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ أي فلا أحد ولا شيء يرد فضله الذي تتعلق به إرادته ، فما شاء كان حتما ، فلا ترج الخير والنفع إلا من فضله ، ولا تخف رد ما يريده لك من أحد غيره يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ يصيب بالخير من يشاء من عباده بكسب وبغير كسب ، وبسبب مما قدره في السنن العامة وبغير سبب ، ففضله تعالى على عباده عام بعموم رحمته ، بخلاف الضر فإنه لا يقع إلا بسبب من الأسباب الخاصة بكسب العبد ، أو العامة في نظام الخلق ، فالأول معلوم كالأمراض التي تعرض بترك أسباب الصحة والوقاية جهلا أو تقصيرا ، وفساد العمران وسقوط الدول الذي يقع بترك العدل ، وكثرة الفسق والظلم ، والثاني كالضرر الذي يعرض من كثرة الأمطار ، وطغيان البحار والأنهار ، وزلازل الأرض وصواعق السماء وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ولولا مغفرته الواسعة ورحمته العامة ، لأهلك جميع الناس بذنوبهم في الدنيا قبل الآخرة ( وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ * وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ ) * * * ( 108 ) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ( 109 ) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ ، وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ * * * هذا النداء خاتمة البلاغ للناس كافة ، بمقتضى بعثة الرسول العامة ، وهو إجمال لما فصل في هذه السورة وسائر السور المباركة 108 - قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ أي قل أيها الرسول مخاطبا لجميع البشر ، من حضر منهم فسمع هذه الدعوة منك ، ومن ستبلغه عنك ، قد